لم تكن جائزة الكرة الذهبية ما هي عليه في بداية الأمر، فكان لونها إلى درجة مائلة للأخضر المصفر، وكان بالإمكان رؤية الغراء الذي بالكاد يبقي اللوحة مثبتة في مكانها، وعند رفعها، كان يصدر عنها صوت خشخشة، بسبب وجود قطعة معدنية مفكوكة داخل القاعدة الخشبية.
وكان كيفن كيجان يسخر من الأمر دائما، وقال في تصريح سابق لـ"ذا أثلتيك": "أنها تساوي عشرة جنيهات إسترلينية. أشك في أن كريستيانو رونالدو سيستخدمها حتى كحاجز لإبقاء الباب مفتوحا".
كانت تلك هي الكرة الذهبية، التي عرفت باسم جائزة أفضل لاعب كرة قدم في أوروبا عندما فاز بها كيجان مرتين في أواخر سبعينيات القرن الماضي، خلال لعبه مع نادي هامبورج الألماني.
أما اللاعب الإنجليزي الوحيد الذي فاز بالجائزة بعده فهو مايكل أوين، الذي يتذكر دهشته عندما تلقى اتصالا هاتفيا يحمل الخبر السعيد، قبل ساعات قليلة من خوض مباراة في دوري أبطال أوروبا مع ليفربول عام 2001.
وطُلب من أوين التزام السرية حتى الإعلان الرسمي، الذي جاء بعد نحو أسبوعين، لكنه لم يجد صعوبة في ذلك، وكتب في سيرته الذاتية "Reboot": "إذا كان هناك شيء شعرت به، فبخلاف عائلتي، كنت أشعر ببعض الحرج تجاه الأمر".
الكرة الذهبية.. من جائزة متواضعة إلى حدث عالمي
مع مرور السنوات، لم تعد الكرة الذهبية مجرد جائزة صغيرة كما كانت في الماضي، بل بات حجمها أكبر بكثير، وطليت بالذهب، وتستقر على قاعدة مصنوعة من معدن البيريت.
ولم يقتصر التغيير على شكل الجائزة، بل امتد إلى كل ما يحيط بها، فتحول الحفل إلى حدث عالمي ينتظره الجميع في كافة أنحاء العالم.
لكن التغيير الأكبر يتعلق بمكانة الكرة الذهبية نفسها في نظر اللاعبين، فبعد أن بدا اللاعبون في الماضي وكأنهم مترددون في قبول الجوائز الفردية، أو يشعرون بشيء من الحرج تجاهها، على حد تعبير أوين، أصبحوا يسعون إليها علنا وبقوة، لدرجة أن بعض أكبر نجوم اللعبة خاضوا خلال الشهرين الماضيين ما يشبه الحملات الانتخابية للترويج لأحقيتهم بالفوز.
ويختلف هذا الواقع عن حفل تسليم الجائزة الأول للسير ستانلي ماثيوز في مدينة بلاكبول عام 1956، أو حتى عن فلوريان ألبرت، الذي تسلم جائزته في مطبخ منزله المتواضع في بودابست بعد 11 عاما، وبعد مرور 70 عاما على انطلاقها، أصبحت الكرة الذهبية ظاهرة قائمة بذاتها.

متى تحولت الكرة الذهبية إلى هوس؟
يقول باسكال فيريه، الذي أشرف على الجائزة بصفته رئيس تحرير مجلة "فرانس فوتبول" بين عامي 2016 و2023: "أعتقد أن الجائزة ظلت بعيدة نسبيًا عن الأضواء حتى السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين. كانت لها قيمة لدى اللاعبين قبل ذلك، خاصة في البلدان اللاتينية مثل فرنسا وإسبانيا وإيطاليا، لكننا لم نكن نعيش عصر التغطية الإعلامية المبالغ فيها".
وفي كتابه الجديد "الوجه الخفي للكرة الذهبية"، يصف فيريه مدى اليأس الذي يدفع بعض اللاعبين إلى التعلق بالجائزة والسعي وراءها بأي ثمن، ويضرب مثالًا بلوكا مودريتش، الذي لم يصدق فوزه بالجائزة عام 2018، وذرف دموع الفرح عندما علم بالنتيجة، متسائلًا: "لماذا أنا؟".

وأضاف: "عندما اتصلت بمودريتش لإبلاغه، لم يُجب على الهاتف في البداية، اتصل بي مجددًا بعد بضع دقائق، وعندما أخبرته بفوزه، ساد صمت طويل. ثم بكى بشدة. قال إنه تأثر كثيرًا، وإنه لم يكن مهيأً نفسيًا لهذا النوع من الجوائز. إنه النموذج الأبرز للاعب الذي لا يسعى إلى الأضواء. وهذا دليل على أن اللاعبين الذين يضعون أنفسهم في خدمة الفريق يمكنهم أيضًا الفوز بالكرة الذهبية. وكان الأمر مماثلًا، على سبيل المثال، مع رودري عندما فاز بها عام 2024".
رونالدو وميسي.. عندما تتحول الكرة الذهبية إلى هوس
في ديسمبر 2017، خلال موسمه الأخير مع ريال مدريد، فاز كريستيانو رونالدو بالكرة الذهبية للمرة الخامسة، معادلا رقم غريمه الكبير ليونيل ميسي.

وتحدث النجم البرتغالي بصراحة لافتة عن شعوره بـ"الحزن والغضب" في السنوات التي حل فيها وصيفا لميسي، وعن مدى فخره بمعادلة رقمه، وقال رونالدو لمجلة فرانس فوتبول: "لم يفز أحد بجوائز فردية أكثر مني"
وكان ذلك آخر تتويج لرونالدو بالكرة الذهبية؛ إذ حل ثانيا عام 2018، وثالثا عام 2019، قبل أن يتراجع إلى المركز العشرين في تصنيف عام 2022، ومنذ انتقاله إلى نادي النصر السعودي في يناير 2023، لم يظهر اسمه مجددا في القائمة الطويلة للمرشحين.
في المقابل، أضاف ميسي ثلاثة ألقاب أخرى إلى رصيده. وبحلول عام 2025، كان رونالدو قد غير موقفه من الجائزة، بعدما سبق أن وصفها بأنها "أفضل جائزة موجودة"، ليصفها لاحقا بأنها "مجرد خيال".

مقاطعة ريال مدريد.. الواقعة الأشهر في تاريخ الجائزة
لم تأت أشهر واقعة جدل بشأن الكرة الذهبية من لاعب واحد، بل من ناد بأكمله، فعندما خسر فينيسيوس جونيور الجائزة عام 2024 لصالح رودري، لاعب مانشستر سيتي آنذاك وبرشلونة حاليا ولاعب منتخب إسبانيا، قرر ريال مدريد مقاطعة الحفل احتجاجا على النتيجة.
وأعقب ذلك بيان شهير لمسؤولي النادي جاء فيه: "من الواضح أن الكرة الذهبية المقدمة من يويفا لا تحترم ريال مدريد، وريال مدريد لا يذهب إلى الأماكن التي لا يحترم فيها"
وكانت تلك المرة الأولى التي تقرر فيها مجلة "فرانس فوتبول" إبقاء النتيجة سرية حتى الحفل، دون إبلاغ الفائزين أنفسهم.
من جائزة الفيفا إلى شراكة يويفا
بين عامي 2010 و2015، حملت الجائزة اسم "كرة الفيفا الذهبية"، بعد دمجها مع جائزة أفضل لاعب في العالم المقدمة من الاتحاد الدولي لكرة القدم.
وانتهت تلك الشراكة عام 2016، عندما أعاد فيفا إطلاق حفل منافس خاص به تحت اسم "The Best FIFA"، قبل أن تدخل الكرة الذهبية لاحقًا في شراكة تجارية مع الاتحاد الأوروبي لكرة القدم «يويفا».
وتعتمد جائزة فيفا على قاعدة تصويت أوسع، تشمل مدربي المنتخبات وقادتها، إلى جانب ممثل إعلامي عن كل اتحاد عضو في فيفا، لكنها لم تصل إلى المكانة الإعلامية أو الهيبة التي تتمتع بها الكرة الذهبية.














