في مساء الأحد حيث تتعطل الحياة في أوروبا وتفتح الملاعب أبوابها من أجل عشاق الساحرة المستديرة، كانت مدينة ديبريسين المجرية على موعد مع استضافة لقاء المنتخب الأيرلندي الذي لم يرغب أحد في خوضه فقط من أجل التعبير عن الدعم المباشر للقضية الفلسطينية.
بعد حملات المقاطعة التي شارك فيها شخصيات عامة ونجوم كرة القدم، وعدد من اللاعبين في المنتخب الأيرلندي رفض حارس مرمى فريق بولتون واندررز، جافين بازونو المشاركة مع منتخب أيرلندا في المباراة التي أقيمت ضمن دوري الأمم الأوروبية.
اختار الاتحاد الأيرلندي بعد ضغوط شديدة من كل طرف وخوفا من خسائر تقدر بـ10 مليون يورو، أن يخوض المباراة التي تم اختيار مدينة ديبريسين مسرحًا لها بعدما تقرر ألا تقام مباراتي الذهاب والعودة سواء في دبلن عاصمة أيرلندا أو مدينة تل أبيب.
أرض محايدة
صحيح أن المباراة أقيمت في المجر، إلا أنها كانت تُحسب على أرض منافس المنتخب الأيرلندي وهي المباراة الرابعة عشرة التي يخوضها في هذا البلد منذ عام 2023، لدواعٍ أمنية.
وطالب الاتحاد الأيرلندي لكرة القدم بتعليق مشاركة منافسه في المباراة من المنافسات الدولية، وهو موقف تدعمه الحكومة الأيرلندية التي وجهة اتهام صريح بـ"الإبادة جماعية" حسب ما ذكر موقع "ذا أثلتيك"، وقد ورد هذا المصطلح أيضاً في نتائج تقرير لجنة عينتها الأمم المتحدة في سبتمبر 2025.
ورغم الضغوط الشعبية الأيرلندية الداعية للمقاطعة، أصرت الحكومة والاتحاد الأيرلندي على المضي قدماً في المباراة، في حين واجه اللاعبون ضغوطاً للانسحاب مع اقتراب موعد اللقاء، في النهاية، لم يفعل ذلك سوى لاعب واحد، حارس مرمى فريق بولتون واندررز، جافين بازونو.
ومع ذلك، سيظل يوم السبت محفوراً في الذاكرة كواحد من أكثر الأيام إثارة للانقسام والإنهاك في تاريخ كرة القدم الأيرلندية، حيث حوصر اللاعبون وأفراد الطاقم داخل فندق الفريق بينما كانوا يحاولون تحديد الخطوة التالية، وذلك وفقًا للتقرير الذي نشره موقع "ذا أثلتيك".
ومع استمرار مجريات الحدث، بقي بازونو في فندق الفريق، لكن المراسم المعتادة لم تتم قبل انطلاق المباراة؛ إذ لم تُتح للاعبين فرصة المصافحة قبل بدء المباراة ولم يسعوا لذلك، كما تجنب اللاعبون وأفراد الطاقم من كلا الجانبين الاحتكاك ببعضهم البعض عند صافرة النهاية أيضاً.
تنكيس الرؤوس
لم يتم تبادل الرايات التذكارية بين قائدي الفريقين قبل ركلة البداية، وعندما عُزف النشيد الوطني للمنافس عبر نظام الصوت في الملعب، نكس عناصر المنتخب الأيرلندي والوفد المرافق لهم في المدرجات رؤوسهم.
وبالنظر إلى استعدادات الفريق، فإن التقدم بنتيجة 3-0 بعد مرور 25 دقيقة فقط لم يكن أمراً متوقعاً أو ضمن السياق المعتاد للمواجهة. وبينما كان الجميع يغادرون أرضية الملعب، سُمعت هتافات بعض المشجعين من الفريق المنافس بعبارة التي تعبر عن دعم من يقومون به ضد أبناء غزة.
وفي غضون ذلك، صرح الاتحاد الأيرلندي لكرة القدم بأنه تلقى إشعاراً من الاتحاد الأوروبي لكرة القدم يفيد باستحالة التحقيق في المزاعم المؤكدة بشأن تعرض المهاجم الأيرلندي آدم إيداه لإساءات عنصرية.
ولتسليط الضوء على الخلفية السياسية وسرد تفاصيل التحضيرات لمباراة ليلة الأحد، تحدث موقع "ذا أثليتيك" مع مصادر مطلعة على مجريات الأحداث، وقد فضلت هذه المصادر عدم الكشف عن هويتها حفاظاً على علاقاتها المهنية.
لكن المقرر أن تتكرر هذه المواجهة بين الفريقين يوم الأحد المقبل، ولكن هذه المرة في الريف الصربي، في بلدة "باتشكا توبولا" على بعد ساعتين بالسيارة من بلجراد؛ ورغم صعوبة الوصول إليها جواً، إلا أن أبواب الملعب الذي يتسع لـ 4500 متفرج ستكون مغلقة أمام الجماهير لأسباب أمنية.
جدار هند ومباراة 2005 في الذاكرة
نظراً لأن أيرلندا هي صاحبة الأرض رسمياً في هذه المواجهة، كان من المفترض أن تقام المباراة في دبلن، عاصمة البلاد.

لكن قبل مباراة تصفيات كأس العالم التي أقيمت بين هذين البلدين في عام 2005، سار نحو 200 شخص من سفارة الفريق المنافس إلى ملعب لانسداون رود للاحتجاج على المباريات.
وفي أنحاء دبلن، لا يحتاج المرء للبحث طويلاً للعثور على جداريات وغيرها من مظاهر الدعم للشعب الفلسطيني.
ومن الأمثلة على ذلك جدارية في ملعب داليمونت بارك، معقل نادي بوهيميانز؛ فبالقرب من الملعب القديم للفريق، المعروف محلياً باسم بوهس توجد لوحة فنية بارزة أبدعتها فنانة الشارع إيمالين بليك.
تحمل الجدارية اسم جدار هند، وهي مكرسة للطفلة الفلسطينية هند رجب، التي كانت على بعد أشهر قليلة من إتمام عامها السادس حين قُتلت أثناء محاولتها الفرار من غزة في يناير 2024، برفقة خمسة أفراد آخرين من عائلتها.

وقد أثارت هذه القصة صدى واسعاً حول العالم، ولا سيما في أيرلندا، حيث يشعر قطاع من السكان بالتضامن مع الفلسطينيين انطلاقاً مما يعتبرونه تجربة مشتركة من القهر على يد دولة احتلال.






