في كل مرة يتلامس فيها حذاؤه مع العشب، يتذكر المتابعون اسمًا كبيرًا: "الأخضر بلومي". لا يزال صدى إنجازاته يدوي في الملاعب الأوروبية والإفريقية. الكرة الذهبية الإفريقية عام 1981 شهدت للأب بالكثير، والكرة الجزائرية دائمًا غزيرة بالمواهب، فما بالك بعائلة أخرجت أسطورة كالأخضر بلومي؟.
محمد البشير، أو "بشير" كما يحب أن يُنادى، لم يعد مجرد نجل الأسطورة، بل قرر أن يكتب قصته بنفسه، بطريقته الخاصة. قصة موهبة أثقلت كاهلها سمعة كبيرة، لكنها قررت السير في الطريق وحيدًا ضد الظروف والإصابات التي كادت أن تطفئ البريق مبكرًا، لتصبح اليوم أبرز المواهب التي نتحدث عنها في الدوري الإنجليزي. فلنبدأ فصول حكايتنا من الجزائر.
الفصل الأول: نبتة صغيرة في بيت الأسطورة
في الأول من يونيو 2002، وفي مدينة معسكر شمال غرب الجزائر، نشأ هذا الطفل الصغير محمد البشير في بيت مرتبط تاريخيًا بكرة القدم الجزائرية، حيث والده الأخضر بلومي، أحد أساطير الكرة العربية والإفريقية وأحد أبرز نجوم "الخضر" في الثمانينيات.
حكاية بشير مع الكرة بدأت في أكاديمية نادي غالي معسكر عام 2012، وهو النادي الذي ارتبط أيضًا بتاريخ والده. ظل ثمانية أعوام مع فرق الناشئين، حيث تدرج في جميع الفئات السنية. هناك، في هذا النادي، تم صقل موهبته كما والده، وبالتبعية الروح والانتماء والإصرار.
في أغسطس 2020، انتقل إلى مولودية وهران، والتي كانت قفزة لا بأس بها في مسيرته. بالمناسبة، هذا أيضًا نادٍ لعب به والده. وفي 16 يناير 2021، تم تصعيده إلى الفريق الأول، وشهدت مباراة شباب بلوزداد أول ظهور له كبديل.
لم يحتج للكثير من المباريات لإثبات ما لديه من تقنيات وموهبة كبيرة، فسجل في لقاء اتحاد بسكرة أول هدف له، مع حضور والده في المدرجات والاحتفال معه.
28 مباراة هي مجمل ما شارك فيه مع مولودية وهران في الموسم الذي تم تصعيده فيه، أحرز من خلالها 3 أهداف، مع ظهور لافت وبداية أكثر من جيدة تشي بالكثير من العلامات التي تقول إننا أمام موهبة كبيرة قادمة. التواجد في الدرجة الأولى بهذا الحضور المميز وتسجيل أولى أهدافه كان دائمًا مصدرًا للمقارنة المبكرة التي رفضها اللاعب ووالده أيضًا، حتى تكون لديه مساحة لأن يعيش تجربته الخاصة.
الفصل الثاني: الانتقال للبرتغال... هل هو أهم جزء في رحلة التطور؟
بعد تألق ملحوظ في الجزائر، وبعد أن بدأت المقارنات تغزو الأوساط الرياضية تجاه الأسطورة ونجله، قرر "بشير" كسر القواعد والرحيل مبكرًا حيث لا مقارنة.
كان الانتقال إلى نادي فارنزي البرتغالي. هنا يستطيع الابن الشاب إثبات نفسه والهروب من ظل والده والتطور في بيئة تبدو أصعب. التحدي ليس سهلًا.
البداية كانت في فبراير، حيث بدأ اللاعب مع فريق تحت 23 عامًا في فارنزي، وسجل في أول مشاركة أساسية له مع الفريق. قضى هناك ستة أشهر أثبت فيها جدارته وكفاءته.
بناءً على ذلك، تم تصعيده إلى الفريق الأول وبدأ رحلته الاحترافية من النقطة صفر. الفريق كان يشارك في منافسات الدرجة الثانية، وبدأ الصراع يدور.
الأمر بدأ بحقيقته عندما صعد فريقه في موسم 2023/2024 إلى الدوري الممتاز، وشارك بلومي مع الفريق بشكل أساسي في 26 مباراة في الموسم، ساهم من خلالها بـ 11 هدفًا: أحرز 7 أهداف وقدم 4 تمريرات حاسمة.
كان هذا الموسم بمثابة انطلاقة كبيرة لـ"بشير"، وبداية لأن تراقبه عيون كثير من الأندية الراغبة في ضمه إلى صفوفها. أندية مثل مارسيليا وكلوب بروج وأياكس تابعت اللاعب عن قرب وقدمت وقتها عروضًا لضمه. ووقتها، قام جمال بلماضي، مدرب منتخب الجزائر، باستدعائه لكن دون مشاركة.
الفصل الثالث: انتقال قياسي وبداية جيدة تعقبها صدمات كبيرة
في أغسطس 2024، وبعد أكثر قليلًا من سنتين ناجحتين مع فارنزي البرتغالي، اتخذ بشير خطوته الأكبر بالانتقال إلى هال سيتي الإنجليزي، الذي ينشط في الشامبيونشيب، بمبلغ 5.5 مليون يورو، بعد منافسة قوية من ليدز يونايتد ومتابعة من مارسيليا الفرنسي.
لم يحتج بشير لوقت كثير لإثبات أنه صفقة ناجحة، فبدأ في نثر سحره الذي برز في مباراة كارديف سيتي التي سجل فيها هدفين في رباعية، وكذلك حصل على جائزة لاعب الشهر في سبتمبر 2024 وجائزة هدف الشهر. وعلى ظاهر الأمر، يبدو أن الأمور تسير في طريقها الصحيح.
لكنه لم يكن يعلم أن الأمر لن يطول كثيرًا، ففي مباراة ضد أكسفورد يونايتد في 5 نوفمبر 2024، تعرض بلومي لتمزق في الرباط الصليبي الأمامي (ACL). ضربة قاسية أنهت موسم اللاعب بعد أن خاض 10 مباريات فقط، وقد أُجريت له الجراحة في أسباير في قطر.
عشرة أشهر كانت هي الفاصل بين الإصابة وبين عودته للملاعب، وذلك في أغسطس 2025. بعد عودته، شارك كبديل في مباراة بلاكبيرن روفرز، لكن في أول مباراة شارك فيها كأساسي، تعرض لإصابة في العضلة الخلفية غاب بها عن الملاعب لشهرين آخرين.
بعد عودته في ديسمبر، أُصيب مرة أخرى في العضلة الخلفية وغاب لثلاثة أشهر أخرى حتى مارس 2026. إصابات متتالية واختبارات قاسية كفيلة بتغيير مسار كثيرين، ولكن القوة والتحمل والإصرار هم من يصنعون لاعبًا جيدًا. ورغم كل ذلك، ساهم اللاعب مع هال سيتي في رحلة الصعود.
كانت لحظته الأبرز في نصف نهائي الملحق ضد ميلوول. دخل بديلًا في الشوط الثاني، وسجل هدفًا رائعًا بعد مراوغة مدافعين، ثم صنع هدفًا آخر لزميله جو جيلهارت، ليقود هال سيتي إلى نهائي ويمبلي.
وصفه قائد الفريق لويس كويل بعد المباراة قائلًا: "إنه مذهل. نحن محظوظون بامتلاكنا لاعبين يمكنهم الدخول وإحداث الفارق. الجميع يعرف قدرات هذا الفتى. أنا سعيد جدًا من أجله. لقد مرّ بإصابة صعبة للغاية، لكن هذا يدل على شخصيته وعلى عمل فريق التعافي".
الفصل الرابع: بداية تاريخية في البريميرليج وإثبات واضح للموهبة... جيل قديم يسلم جيلًا جديدًا
هال سيتي الصاعد حديثًا لم يتوقع أحد بدايته المذهلة، وأحد أركان هذه البداية هو بلومي. هو وزملاؤه برهنوا سريعًا على تفاهمهم وانسجامهم وموهبة الكثير منهم. أربع مباريات في البداية دون خسارة أمر يسترعي الانتباه والملاحظة لفريق قادم من الدرجات الأدنى ليلعب وسط العمالقة.
10 سنوات من الغياب، والافتتاحية أمام الكبير مانشستر يونايتد، وفوز بمشاركته في التشكيلة الأساسية، وكذلك حضر الأب الوفي لعاداته من الملعب.
الفوز أيضًا ضد كوفنتري سيتي بهدف من تمريرة حاسمة لبلومي لزميله ليام ميلر كان بمثابة بداية حقيقية. لكن التواجد الأهم والأبرز كان في ليلة ستامفورد بريدج في 12 سبتمبر الجاري.
هال سيتي كان متأخرًا بهدف لمورغان روجرز من الدقيقة السابعة من المباراة. اتجاه متوقع لمباراة ذاهبة في وضعها الطبيعي تجاه عملاق لندن، لكن بلومي لديه رأي آخر.
في غضون ست دقائق فقط قبل نهاية الشوط الأول، أشعل الملعب بثنائية رائعة بقدمه اليسرى. الهدف الأول جاء بعد خطأ دفاعي من تشيلسي، ليتدخل بلومي ببرودة أعصاب ويودع الكرة في الشباك. وبعد دقائق قليلة، سدد مرة أخرى من حدود المنطقة، لتعانق الكرة الشباك بعد ارتدادات من المدافعين، وليمنح فريقه تقدمًا مفاجئًا.
كان الملعب في حالة ذهول، والجماهير الجزائرية التي بدأت تتوافد على مدرجات هال سيتي تشاهد نجمها الجديد يكتب التاريخ. بهذه الثنائية، أصبح بلومي خامس جزائري يسجل هدفين في مباراة واحدة في تاريخ البريميرليج، والأول منذ رياض محرز مع مانشستر سيتي ضد توتنهام في 2023.
الفصل الخامس: المشاركة الدولية الأولى... حلم الأب وإصرار الابن
في 25 سبتمبر 2026، وعلى ملعب حسين آيت أحمد في تيزي وزو، بدأت حقبة جديدة في تاريخ الكرة الجزائرية. كان منتخب "الخضر" يخطو أولى خطواته في تصفيات كأس أمم أفريقيا 2027 تحت قيادة المدرب الجديد إبراهيم حمداني.
فاجأ المدرب الجميع بمنح محمد البشير بلومي القميص الأساسي في أول مباراة رسمية له مع المنتخب الأول، مفضلًا إياه على أنيس حاج موسى، نجم فينوورد الهولندي. كان القرار جريئًا، لكنه جاء بعد بداية موسم استثنائية مع هال سيتي في البريميرليج، حيث سجل هدفين وقدم تمريرتين حاسمتين في 5 مباريات فقط.
على الجانب الآخر، كان لخضر بلومي حاضرًا في المدرجات، يشاهد ابنه يرتدي قميص "الخضر" للمرة الأولى، بعد سنوات من الانتظار.

لم يعد الحديث عن ابن الأسطورة قائمًا، بل بدأت تنسج خيوط حكاية كبيرة يكتبها بالموهبة وقبلها الإصرار. الفتى الذي رفض أن يحجبه تاريخ والده قد يكتب فصلًا خاصًا... فصلًا قد يجعل حكايته تروي أسطورة خضراء أخرى.






