منذ أكثر من قرن، فتح حسين حجازي الباب أمام المصريين لخوض تجربة الاحتراف خارج البلاد، لكن الطريق الذي بدأ بخطوة نادرة في ذلك الوقت تحول مع مرور السنوات إلى مسار حلمت به أجيال كاملة من اللاعبين.
من حجازي إلى أحمد حسام ميدو وحسام غالي وصولا لمحمد صلاح، وعمر مرموش وهيثم حسن وحمزة عبد الكريم، تغيرت خريطة المحترفين المصريين في أوروبا، وتغير معها السؤال من هل يستطيع اللاعب المصري الاحتراف في أوروبا؟ إلى من سيكون الاسم المصري التالي الذي يلفت أنظار الأندية الأوروبية؟.
لكن خلف كل اسم وصل إلى أوروبا، هناك قصة بدأت قبل الانتقال بوقت طويل، عين كشاف شاهد الموهبة، ونادٍ قرر منحها الفرصة، وقرار لاعب اختار أن يبدأ من جديد بعيدا عن بلده.
فكيف بدأت قصص أبرز المحترفين المصريين في أوروبا؟ ومن وقف خلف اكتشافهم؟ وكيف تنظر العيون الأوروبية إلى المواهب المصرية والعربية قبل أن تصبح أسماء معروفة للجميع؟
ويفتح FilGoal.com الباب أمام الإجابة على التساؤلات في هذه النقطة من أصحاب المهام ونكتشف الطرق التي تمر بها هذه الأمور قبل إتمام الصفقة.
بداية حلم عاد من جديد
خطف عمرو ذكي الأنظار مع ويجان أتلتيك الإنجليزي وتصدر في وقت ما لهدافي الدوري الإنجليزي ولو بشكل مؤقت، وكانت البداية مثالية، واتجهت أنظار الجميع فيما بعد لمحمد صلاح الذي انتقل بشكل مفاجئ لبازل السويسري، وبدأت معه أحلام المصريين.
وتعامل المصريين مع انتقال صلاح لبازل أنه الحلم الذي يعيشه الجميع ويتابعوه منذ بدايته حتى المحطة الحالية التي يتواجد بها.
لكن كيف بدأ اهتمام بازل بمحمد صلاح؟ وما هي الشروط التي بناءا عليها قررت إدارة الفريق التعاقد مع محمد صلاح.
وتواصل FilGoal.com مع رويدي زبيدن وهو مسؤول الكشافين في فريق بازل حتى الآن، وكان مسؤول عن إتمام الصفقة ويتواجد إلى الآن مع الفريق كمسؤول كشافين بازل.
وقال زبيدن لـFilGoal.com عن بداية متابعة محمد صلاح: "أحد كشافي برشلونة شاهد صلاح عن قرب خلال مشاركته مع منتخب مصر في كأس العالم للشباب 2011 في كولومبيا".
وواصل "وبعد توقف الدوري المصري لنحو ستة أشهر في 2012 عقب أحداث مأساوية في أحد الملاعب، تواصل وكيل في القاهرة مع وكيل في ألمانيا، وسأله عما إذا كان يرغب في دعوة لاعب أو اثنين لخوض فترة اختبار في الدوري السويسري".
وأردف "الوكيل الألماني تواصل بعدها مع نادي بازل لمعرفة مدى اهتمامنا بضم لاعبين مصريين، وبما أننا كنا نعرف صلاح بالفعل منذ كأس العالم، ووافقنا على الفور، وصل اللاعب إلى سويسرا، واحتاج إلى بضعة أيام فقط حتى يقنعنا تماما بقدراته، وبعدها أُنجزت الصفقة سريعا وبسلاسة".
ولم يكن محمد صلاح اللاعب الوحيد فقط بل كان محمد النني أيضا وأوضح زبيدن: "عونا النني للانضمام إلى معسكرنا التدريبي في ماربيا لخوض فترة اختبار، لكنه أثار إعجابنا مباشرة منذ أول مباراة ودية له في إسبانيا".
وأتم "وصلنا مع صلاح والنني إلى نصف نهائي الدوري الأوروبي، وكان ذلك إنجازا استثنائيا بالنسبة لكرة القدم السويسرية، حاولنا لاحقا ضم لاعبين مصريين آخرين، وكانوا جيدين، لكنهم لم يصلوا إلى المستوى نفسه الذي رأيناه في أول لاعبين".
وخاض محمد صلاح مع بازل السويسري 79 مباراة مسجلا 20 هدفا وصنع 14 آخرين.
وحقق الدوري السويسري مرتين.
لكن كيف يرى الكشاف اللاعب المصري في الوقت حالي؟
كشف ديفيد بيلايز مكتشف المواهب في إسبانيا بتصريحات عبر FilGoal.com عن آليه رؤيتهم للاعب المصري في الوقت الحالي وقال: "في البداية، نبحث عن لاعب يبرز بشكل واضح بين اللاعبين من نفس عمره، وداخل البيئة التنافسية التي يلعب فيها، وهذه هي العلامة الأولى، لكن الموهبة وحدها لا تكفي، فعملية التقييم تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك".
وواصل "من المهم بالنسبة لنا أن نفهم حياة اللاعب اليومية، وبيئته الأسرية والاجتماعية، وعاداته وعقليته، وما إذا كان يتصرف بالفعل كلاعب كرة قدم محترف، وفهم الظروف التي نشأ فيها اللاعب يساعد الأندية على تقدير مدى قدرته على التعامل مع الانتقال إلى أوروبا في سن صغير".
وأضاف "نحاول أيضا فهم الخلفية الاجتماعية والاقتصادية التي يأتي منها اللاعب، ليس بهدف الحكم عليه، وإنما لفهم ظروفه بشكل كامل وتوقع كيفية تعامله مع تغيير كبير مثل الانتقال إلى أوروبا في سن صغير جدا، عندما يستثمر نادٍ في موهبة شابة، يجب أن يقيم الشخص إلى جانب لاعب كرة القدم".
وأكمل "كرة القدم أصبحت عالمية بشكل كامل، ومع أدوات الاستكشاف والتحليل المتاحة حاليا، يمكنك تحديد المواهب عمليا في أي مكان في العالم".
وعن العقبات التي تقابل اللاعب في الانتقال لأوروبا قال: "الانتقال إلى أوروبا يعني التأقلم مع أسلوب مختلف في كرة القدم، ولكن أيضا مع بلد وثقافة ولغة ونمط حياة مختلف، ثم هناك العادات الاحترافية، التغذية، والراحة، وكل ما يفعله اللاعب بعيدا عن التدريبات، والعناية البدنية والعقلية، كلها عوامل تدخل ضمن الأداء على أعلى مستوى".
وكشف "امتلاك الموهبة لا يضمن وحده النجاح، لأن التحدي الحقيقي هو تحويلها إلى مستوى ثابت من الأداء والحفاظ على العادات الاحترافية طوال المسيرة".
وأضاف "الأندية الأوروبية أصبحت الآن أكثر انفتاحا على اكتشاف والتعاقد مع المواهب الشابة من كرة القدم العربية، كما أصبحت أكثر استعدادا لمنح هؤلاء اللاعبين الفرصة في سن مبكر".
وواصل "لا يجب أن ننسى أننا شاهدنا بالفعل لاعبين مصريين وعربا يصلون إلى مستوى عالٍ جدا في أوروبا، محمد صلاح هو المثال الأبرز، لكننا شاهدنا أيضا لاعبين مثل ميدو ورمضان صبحي والعديد من اللاعبين الآخرين".
وأتم حديثه "حمزة عبد الكريم وانتقاله لبرشلونة جعل الاهتمام كبير من جديد باللاعب العربي الشاب، فوجود لاعب شاب في نادي مثل برشلونة هو باب كبير يؤكد أن الكرة المصرية والعربية بها الكثير من المواهب التي تستحق المتابعة".
ولم تعد قصة المحترف المصري في أوروبا مجرد رحلة لاعب ينجح بمفرده، بل تحولت مع مرور السنوات إلى عامل يلفت أنظار الأندية الأوروبية إلى مصر كوجهة لاكتشاف المواهب.
لكن ماذا يرى مسؤولو اكتشاف المواهب في اللاعب المصري؟ وما الذي يمكن أن يجعل ناديا أوروبيًا يقرر الاستثمار في لاعب شاب؟ للإجابة عن ذلك، تحدث الألماني مايكل ريشكه، المسؤول السابق عن كرة القدم الأوروبية في وكالة "Stellar" وهو أحد وكلاء الأعمال الذين يعملون بالوكالة التي ضمت عمر مرموش من قبل.
وقال ريشكه عبر FilGoal.com: "العوامل الحاسمة هي العوامل الرياضية والذهنية، أي الموهبة والعقلية، ويمكن أن يتطور الاقتناع بإمكانية العمل مع لاعب شاب بسرعة نسبيا إذا تألق مع منتخب بلاده أو في كأس العالم تحت 17 عاما أو تحت 20 عاما".
وواصل "متابعة اللاعبين المصريين من جانب الأندية الأوروبية ليست ظاهرة حديثة، وإنما تمتد لسنوات طويلة، لكن ظهور أسماء بحجم محمد صلاح وعمر مرموش منح مصر مساحة أكبر على خريطة اهتمام الأندية ووكالات اللاعبين".
وأتم "كان يتم رصد اللاعبين المصريين أيضا قبل 20 عاما، لكن وجود لاعبين من الطراز العالمي مثل صلاح ومرموش وغيرهما يؤدي تلقائيا إلى زيادة اهتمام الأندية ووكلاء اللاعبين بهذا البلد".
هكذا لم تعد رحلة المصريين إلى الملاعب الأوروبية تبدأ من لحظة توقيع العقود، بل من سنوات طويلة من المتابعة والبحث عن الموهبة وتقييم الشخصية والقدرة على التأقلم.
وربما يكون الاسم المصري القادم الذي سيظهر في أحد أكبر ملاعب أوروبا، قد بدأ بالفعل في لفت الأنظار دون أن يعرفه أحد بعد.







