كل المباريات

كل الأخبار

مقال

كيف رسم صلاح علاقتة بوطنه بين المينتاليتي وهواء مصر؟

عبر Yallakora

المباراة

في أغسطس 2026، جلس محمد صلاح داخل سيارته محاولًا التخفي خلف قبعة، يراقب من تحتها المارة في الشوارع، يتأمل طريقة تعاملهم وضحكاتهم، وكأنه يبحث عن شيء افتقده طوال سنوات الغربة.

كان هذا المشهد الذي رواه صلاح بنفسه اختصارا لعلاقة مختلفة تربطه بمصر، البلد الذي غادره قبل أكثر من 14 عاما بحثا عن حلم الاحتراف، قبل أن تتحول رحلته من المقاولون العرب إلى بازل السويسري، ثم تشيلسي وفيورنتينا وروما وليفربول، وأخيرا طرابزون سبور التركي، إلى واحدة من أبرز قصص النجاح في تاريخ كرة القدم المصرية.

في حوار عبر القناة الرسمية لنادي طرابزون سبور، تحدث صلاح عن اشتياقه إلى الحياة في مصر، قائلا: "أعتقد أنني أفتقد دائمًا الأجواء التي تشعر بها عندما تكون وسط المصريين.. هم يحبون المرح. عندما تكون وسط أي مصري، حتى عندما أذهب في عطلة مثلًا وأجد مجموعة من المصريين، يكون الأمر مختلفًا قليلا".

وأضاف: "أفتقد تلك الأجواء، فنحن نفهم بعضنا البعض، ونفهم النكات والأمور الأخرى، لذلك عندما أذهب إلى هناك، أحب أن أجلس في الشرفة وأرى الناس وكيف يتعاملون مع بعضهم، أو أكون في السيارة وأكتفي بمشاهدة كل شيء.. حتى استنشاق الهواء هناك يجعلني أشعر بالسعادة".

هذه التصريحات أعادت إلى الواجهة سؤالا ظل حاضرا لسنوات بين الجماهير المصرية: هل تحرر محمد صلاح أخيرا من القيود التي فرضتها عليه علاقته بالمنتخب والجماهير والإعلام؟ وهل عادت العلاقة بين الطرفين إلى طبيعتها؟.

صلاح.. من حلم الاحتراف إلى مسؤولية "الأمل"

عندما غادر صلاح مصر في 2012 متجها إلى بازل السويسري، لم يكن نجما جماهيريا بالمعنى الذي أصبح عليه لاحقا، فلم يكن لاعبا سابقا للأهلي أو الزمالك، كان مجرد لاعب شاب من المقاولون العرب يسافر وحيدا إلى أوروبا، حاملا حلمه الشخصي، وحلم بلد كامل بأن يصبح أحد أبنائه لاعبا عالميا.

وفي حوار سابق مع قناة "أون سبورت"، تحدث صلاح عن بداياته في سويسرا، قائلا إنه عندما ذهب للاحتراف "لم يكن أحد يعرفني هناك"، وكان الناس يتعاملون معه "كإنسان عادي وليس كنجم كرة قدم".

وأضاف أنه كان يفكر في العودة إلى مصر والانضمام إلى الأهلي أو الزمالك ليصبح نجما هناك، لكنه تراجع عن هذه الفكرة حتى يتمكن من استكمال مسيرته الاحترافية والتعايش مع حياته الجديدة.

وقال صلاح: "بعد التأهل لكأس العالم أدركت كيف ينظر لي الجمهور في مصر، والأمر أكبر بكثير من كوني لاعب كرة قدم، فهمت أنني أمل كبير بالنسبة للناس والجمهور في مصر، والكثير منهم يتمنى أن يرى ابنه مثلي، وهذه مسؤولية كبيرة".

"لن أحتفل".. صلاح في مواجهة دماء المصريين

في أغسطس 2013، وبعد عام واحد فقط من انتقاله إلى بازل، ظهر جانب آخر من علاقة صلاح ببلده، عندما سجل هدفين أمام لودوجوريتس البلغاري، وصنع ركلة جزاء، ليقود بازل إلى الفوز 4-2 خارج ملعبه، في مباراة وضعته على أعتاب التأهل إلى دور المجموعات بدوري أبطال أوروبا.

لكن صلاح لم يحتفل، وبعد المباراة قال في تصريحات نقلتها شبكة "إي اس بي إن" قبل المباراة: "لن أحتفل بأي هدف في أي بطولة. الوضع في مصر يجعلني أشعر بحزن شديد، لا يوجد شيء أهم بالنسبة لي من دماء أبناء وطني. مهما كانت أهمية المباراة، لن أحتفل حتى يتوقف ذلك".

كان صلاح وقتها يبلغ من العمر 21 عاما فقط، لكنه اختار أن يضع الأحداث التي تشهدها مصر فوق واحدة من أهم لحظات مسيرته الأوروبية.

عندما دخلت السياسة إلى ملعب صلاح

وفي العام نفسه، ظهرت أزمة أخرى خلال مواجهة بازل ومكابي تل أبيب في التصفيات المؤهلة إلى دوري أبطال أوروبا، ورفض صلاح مصافحة لاعبي الفريق المنافس، وانشغل بدلا من ذلك بربط حذائه، قبل أن يشير إلى عدم رغبته في خوض مباراة الإياب.

لكن إدارة بازل أصرت على مشاركته، فوافق في النهاية، وقال صلاح وقتها: "كرة القدم أهم من السياسة، وهذه وظيفتي. في أفكاري، أنا ذاهب للعب في فلسطين وليس إسرائيل، وسأذهب إلى هناك وأسجل وأفوز".

وبالفعل، سجل صلاح الهدف الثاني لبازل في مباراة الإياب التي انتهت بالتعادل 3-3، ليحسم الفريق السويسري تأهله بالفوز 4-3 في مجموع المباراتين.

"المينتاليتي".. عندما انتقد صلاح العقلية المصرية

مع مرور السنوات، لم يعد انتقاد صلاح يقتصر على المواقف السياسية أو التنظيمية، بل امتد إلى ما اعتبره مشكلة أعمق في كرة القدم المصرية وهي "العقلية".

ففي تصريحات خلال إحدى الفعاليات، تحدث صلاح عن الفارق بين العقلية التي يتعامل بها في أوروبا وتلك الموجودة في مصر، وقال إن "المينتاليتي" ليست شيئا يتعلمه المصريون بالشكل الكافي، وإن هناك مشكلة في عدم الرغبة في التعلم وتطوير الذات.

وقتها صلاح كان لاعبا في ليفربول الإنجليزي، وتعرض لانتقادات من الجماهير، الذي زعم بعضها بأنه ينسلخ من أًصله ملتفا بـ"عقدة الخواجة"، وعاد صلاح إلى الفكرة نفسها في 2022، عندما تحدث عن غضب البعض منه كلما تطرق إلى ضرورة تغيير العقلية، مؤكدا أن الكرة المصرية تحتاج إلى تغيير في العقلية الإدارية حتى يستطيع اللاعبون الاستمرار بالمستوى نفسه لمدة 10 أو 12 عامًا.

صدام 2018.. صلاح ضد اتحاد الكرة

ربط البعض موقف تصريحات صلاح عن "العقلية" بوجوده في ليفربول، إلا أنه سبق ودخل في صدام مع المنظومة الكروية في مصر خلال وجوده في أنفيلد، وذلك بعد كأس العالم روسيا 2018، عندما ودعت مصر المونديال دون أي فوز.

فبعد مشاركة مصر في المونديال، نشر صلاح عدة رسائل وفيديوهات انتقد فيها اتحاد الكرة بسبب ما وصفه بسوء التنظيم خلال معسكر المنتخب في جروزني بالشيشان، متحدثا عن دخول أشخاص إلى غرفته في أوقات متأخرة من الليل من أجل التقاط الصور معه والسلام عليه، وزعم أن الأمر وصل في إحدى المرات إلى بقائه مستيقظا حتى السادسة صباحا.

وبحسب ما قاله صلاح وقتها، تم تجاهل رسائله ورسائل محاميه، كما اتهم بعض المسؤولين بمحاولة تشويه صورته وإظهاره وكأنه غير وطني، كما أنه انتقد سفر بعثة المنتخب على الدرجة الاقتصادية، في الوقت الذي كانت فيه منتخبات إفريقية أخرى تسافر على درجة رجال الأعمال.

صلاح.. من الغضب إلى التحرر

مرت السنوات، وتغيرت علاقة صلاح بالجمهور المصري، فخلال كأس الأمم الإفريقية 2025، ثم كأس العالم 2026، ظهر اللاعب بصورة مختلفة.

كان صلاح لاعبا حرا أثناء مشاركته في المونديال، بعد إنهاء تعاقده مع ليفربول، ولم يكن قد حسم مستقبله في ذلك الوقت، لكنه داخل الملعب بدا وكأنه تحرر من كثير من الضغوط التي لازمته لسنوات.

حمل علم مصر، وارتدى قناع الملك الفرعوني، ورقص مع الجماهير، وردد الأغاني الشعبية كأنه يحفظها عن ظهر قلب، وظهر وسط المشجعين، بل استخدم أحيانا عبارات فكاهية لا يفهمها من عاش في الخارج لسنوات طويلة.

ثم جاءت تصريحاته الأخيرة عن اشتياقه للأجواء المصرية لتضيف فصلا جديدا إلى قصة صلاح، الذي استقل حافلة مكشوفة بعد مونديال 2026 محتفلا وسط الجماهير المصرية، وخاتما هذه البطولة برسالة مختلفة ووعد لمسته الجماهير، فكتب عبر حساباته الرسمية: "أعلم أنكم ما زلتم تشعرون بالحزن، لكن أعدكم بأنني سأبذل كل ما في وسعي لضمان أن تكون هذه بداية جديدة لكرة القدم المصرية على الساحة الدولية، التأهل إلى كأس العالم لن يكون كافيا، والمشاركة أيضا لن تكون كافية. هذا الفريق يستحق ثقتكم".

أخبار ذات صلة